يرى إيلان بيرمان، الكاتب المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وأوراسيا، أن مصر اتجهت بصورة حاسمة نحو الصين خلال السنوات الأخيرة، في تحول بدأ يعيد تشكيل حساباتها الاستراتيجية بعدما ظلت لعقود ركيزة موثوقة في الاستراتيجية الأمريكية بالشرق الأوسط. ويشير بيرمان إلى أن تصاعد العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية بين القاهرة وبكين جعل الصين لاعبًا أكثر تأثيرًا في خيارات مصر الاستراتيجية.
ويستعرض مقال بيرمان المنشور في مجلة «فوربس» التحول المتزايد في توجه مصر نحو الصين، مستندًا إلى نمو التجارة والاستثمارات الصينية والتعاون العسكري بين البلدين، إلى جانب توافق أهداف «رؤية مصر 2030» مع مبادرة «الحزام والطريق» الصينية، في وقت لم تعد فيه واشنطن قادرة على افتراض أن توجه القاهرة الجيوسياسي محسوم لصالحها.
الصين تعزز نفوذها الاقتصادي داخل مصر
شكّلت زيارة الرئيس الصيني شي جين بيج إلى مصر في وقت سابق من سبتمبر الجاري، وهي زيارة دولة استغرقت ثلاثة أيام وتُعد الأولى من نوعها لزعيم صيني إلى القاهرة منذ عقد على الأقل، مناسبة رسمية للاحتفال بمرور 70 عامًا على العلاقات المصرية الصينية. لكن الزيارة، بحسب بيرمان، سلطت الضوء أيضًا على مدى انتقال مصر خلال السنوات الأخيرة إلى دائرة النفوذ الصيني.
ويعود هذا التحول إلى سياق مختلف عن العقود الأربعة التي أعقبت اتفاقيات كامب ديفيد عام 1979، حين شكلت مصر حجر زاوية موثوقًا في الاستراتيجية الأمريكية بالشرق الأوسط.
وربطت المساعدات الأمريكية السخية، التي شملت مخصصات سنوية كبيرة للمساعدات الاقتصادية وتمويلًا عسكريًا خارجيًا يبلغ نحو 1.3 مليار دولار سنويًا، القاهرة بواشنطن بصورة وثيقة. ورغم الاضطرابات المؤقتة التي شهدتها العلاقات خلال فترة «الربيع العربي»، استمرت تلك المساعدات، بينما بدأت التوغلات الصينية الاقتصادية والسياسية والعسكرية تؤثر بصورة متزايدة في الحسابات الاستراتيجية المصرية.
وتكشف أرقام التجارة عن جانب مهم من هذا التحول، إذ أصبحت الصين أكبر شريك تجاري منفرد لمصر، وهو موقع تحتفظ به منذ أكثر من عقد. وبلغ حجم التجارة المتبادلة بين البلدين خلال العام الماضي نحو 21 مليار دولار، جاء معظمها من تدفق السلع الصينية إلى السوق المصرية.
وأدى هذا الاختلال التجاري إلى اعتماد كبير لمصر على المنتجات الصينية؛ إذ اقتربت واردات القاهرة من الصين خلال عام 2025 من 20 مليار دولار، في حين جاءت صادراتها إلى الصين بأقل بكثير من مليار دولار.
كما تشهد الاستثمارات الصينية في مصر نموًا متسارعًا، بعدما ضخت الشركات الصينية أكثر من 10 مليارات دولار في البلاد، تركز جزء كبير منها في المنطقة الصناعية القريبة من قناة السويس. وتستضيف منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر «تيدا» في العين السخنة نحو 200 شركة، فيما استقطبت مليارات الدولارات من استثمارات شركات صينية، من بينها مجموعة «شين فنج» للصلب وشركة «لينجلونج» المتخصصة في صناعة الإطارات.
وكشفت زيارة شي إلى القاهرة عن المرحلة الثالثة من تطوير المنطقة، والتي تستهدف توسيع قيمتها الاقتصادية من خلال العمل في قطاعات مثل السيارات من الجيل الجديد والطاقة المتجددة.
رؤية مصر 2030 تلتقي مع مبادرة الحزام والطريق
لا تكتفي بكين بحضورها الاقتصادي الحالي، بل تسعى إلى ترسيخ حصة أعمق لها في الاقتصاد المصري. وشهدت زيارة الرئيس الصيني توقيع نحو 20 اتفاقية جديدة في مجالات التصنيع والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد، إلى جانب إقرار البلدين شراكة مالية أوسع تشمل اتفاقيات لمبادلة العملات.
ويشير بيرمان إلى أن العلاقات المصرية الصينية لم تعد تجارية بحتة، إذ شهدت الأسابيع الأخيرة مشاركة القوات المسلحة المصرية، للعام الثاني على التوالي، في تدريبات جوية مشتركة مع عناصر من جيش التحرير الشعبي الصيني ضمن مناورات «نسور الحضارة».
وشاركت مقاتلات وطائرات تزويد بالوقود وطائرات إنذار مبكر صينية في التدريبات، التي استضافتها قواعد عسكرية مصرية وركزت على تكتيكات القتال الجوي وعمليات البحث والإنقاذ. ويعكس ذلك، بحسب الكاتب، مفارقة استراتيجية لافتة، إذ تتدرب قوة جوية يعتمد جانب كبير من تمويلها على الولايات المتحدة مع الجيش الذي تعتبره واشنطن منافسها الاستراتيجي الرئيسي.
ويعتبر بيرمان أن هذا التوجه شرقًا يحمل منطقًا استراتيجيًا بالنسبة إلى مصر، خصوصًا أن الحكومة المصرية أطلقت قبل نحو عقد «رؤية مصر 2030»، وهي استراتيجية وطنية طموحة للتنمية تركز على الصناعة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية والطاقة والاقتصاد الرقمي.
ودفعت هذه الأولويات مصر إلى أن تصبح عنصرًا طبيعيًا في مبادرة «الحزام والطريق» الصينية، التي وسعت بكين عبرها حضورها في الدول النامية على مدار أكثر من عقد.
وتضع «رؤية مصر 2030» خطة لتحويل قناة السويس إلى مركز اقتصادي ومحرك لإنعاش الاقتصاد المصري، فيما ترى بكين أنها قادرة على المساعدة في تحقيق هذه الأهداف من خلال التمويل والاستثمار والخبرة الصناعية. والأهم بالنسبة إلى القاهرة، بحسب بيرمان، أن التعاون الصيني يأتي دون الشروط المتعلقة بالحوكمة والشفافية وحقوق الإنسان التي ترافق عادة المساعدات الأمريكية.
وتشمل الرؤية الصينية لمصر تعزيز قدرات التصنيع وسلاسل الإمداد والاستفادة من الموقع الاستراتيجي لقناة السويس، بما يتيح لبكين توسيع حضورها في واحدة من أهم نقاط التجارة العالمية، بينما تحصل القاهرة على استثمارات تساعدها في تحقيق أهدافها التنموية والاقتصادية.
التعاون العسكري يغيّر حسابات القاهرة وواشنطن
رغم استمرار أهمية المساعدات والتمويل الأمريكيين بالنسبة إلى مصر، يرى بيرمان أن النفوذ الصيني المتزايد جعل افتراض واشنطن القديم بأن التوجه الجيوسياسي للقاهرة محسومًا أمرًا لم يعد مضمونًا.
ويكتسب التعاون العسكري بين مصر والصين أهمية خاصة في هذا السياق، إذ لم تعد العلاقات بين البلدين محصورة في التجارة والاستثمار والبنية التحتية، وإنما امتدت إلى تدريبات عسكرية مشتركة شملت الطيران والبحث والإنقاذ، ما يعكس استعداد القاهرة لتوسيع خياراتها الدفاعية وعدم حصر شراكاتها العسكرية في الولايات المتحدة.
ويأتي ذلك بالتوازي مع توسع العلاقات الاقتصادية الصينية، التي توفر للقاهرة بديلًا إضافيًا في مجالات الاستثمار والتصنيع والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. ويشير الكاتب إلى أن توقيع نحو 20 اتفاقية جديدة خلال زيارة شي يعكس رغبة بكين في تحويل علاقتها مع مصر إلى شراكة أوسع وأكثر عمقًا.
وفي المقابل، لا يعني هذا التحول أن مصر تخلت عن علاقاتها مع الولايات المتحدة. فما زالت المساعدات والتمويل الأمريكيان يمثلان عنصرًا مهمًا في الاقتصاد والأمن المصريين، لكن اتساع العلاقات مع الصين يمنح القاهرة مساحة أكبر للمناورة الاستراتيجية.
ويرى بيرمان أن زيارة شي إلى مصر كشفت بوضوح أن المنافسة بين القوى الكبرى باتت عاملًا مؤثرًا في حسابات القاهرة، وأن مصر لم تعد تتعامل مع علاقتها بالولايات المتحدة باعتبارها الخيار الاستراتيجي الوحيد.
ويخلص الكاتب إلى أن التحول المصري شرقًا لا يمثل مجرد تقارب اقتصادي مع الصين، بل يعكس إعادة صياغة تدريجية للحسابات الاستراتيجية المصرية، مدفوعة بحاجتها إلى الاستثمار والتنمية والبنية التحتية والتكنولوجيا، وبسعيها في الوقت نفسه إلى توسيع هامش الخيارات المتاح أمامها بين القوى الدولية الكبرى.
وبحسب بيرمان، فقد حرصت بكين خلال السنوات الأخيرة على تعزيز هذا الاتجاه، بما جعل الافتراض طويل الأمد في واشنطن بأن التوجه الجيوسياسي للقاهرة قد حُسم لصالح الولايات المتحدة أمرًا لم يعد مسلمًا به.
https://www.forbes.com/sites/ilanberman/2026/09/14/why-egypt-has-taken-an-eastward-turn/

